أحمد بن محمد القسطلاني
168
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
رحمه الله تعالى نفي لاستواء الفريقين باعتبار القوة العلمية بعد نفيها باعتبار القوّة العملية على وجه أبلغ لمزيد فضل العلم ، وقيل : تقرير للأوّل على سبيل التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون لا يستوي القانتون والعاصون . ( وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فيما وصله المؤلف بعد بابين ( من يرد الله به خيرًا يفقهه ) في الدين ، وللمستملي يفهمه بالهاء المشددة المكسورة بعدها ميم ، وأخرجه بهذا اللفظ ابن أبي عاصم في كتاب العلم بإسناد حسن والتفقّه هو التفهّم ، ( وإنما العلم بالتعلم ) بضم اللام المشددة على الصواب ، وليس هو من كلام المؤلف ، فقد رواه ابن أبي عاصم والطبراني من حديث معاوية مرفوعًا وأبو نعيم الأصفهاني في رياض المتعلمين من حديث أبي الدرداء مرفوعًا : إنما العلم بالتعلّم وإنما الحلم بالتحلّم ومن يتحرّ الخير يعطه ، وفي بعض النسخ وهو في أصل فرع اليونينية بالتعليم بكسر اللام وبالمثناة التحتية وفي هامشها بالتعلم بضم اللام قال : وهو الصواب . ( وقال أبو ذر ) جندب بن جنادة فيما وصله الدارمي في مسنده وغيره من حديث أبي مرثد لما قال له رجل والناس مجتمعون عليه عند الجمرة الوسطى يستفتونه : ألم تنه عن الفتيا وكان الذي منعه عثمان لاختلاف حصل بينه وبين معاوية بالشام في تأويل : { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّة } [ التوبة : 34 ] فقال معاوية : نزلت في أهل الكتاب خاصة . وقال أبو ذر : نزلت فينا وفيهم ، وأدّى ذلك إلى انتقال أبي ذر عن المدينة إلى الربذة ( لو وضعتم الصمصامة ) بالمهملتين الأولى مفتوحة أي السيف الصارم الذي لا ينثني أو الذي له حد واحد ( على هذه وأشار إلى قفاه ) كذا في فرع اليونينية وفي غيره إلى القفا وهو مقصور يذكر ويؤنث ، ( ثم ظننت أني أنفذ ) بضم الهمزة وكسر الفاء آخره معجمة أي أمضي ( كلمة سمعتها من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر رسول الله ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل أن تجيزوا ) بضم المثناة الفوقية وكسر الجيم وبعد التحتية زاي الصمصامة ( علي ) أي على قفاي ، والمعنى قبل أن تقطعوا رأسي ( لأنفذتها ) بفتح الهمزة والفاء وتسكين الدّال المعجمة ، وإنما فعل أبو ذر هذا حرصًا على تعليم العلم طلبًا للثواب وهو يعظم مع حصول المشقة ، واستشكل الإتيانُ هنا بلو لأنها لامتناع الثاني لامتناع الأوّل ، وحينئذ فيكون المعنى انتفاء الإنفاذ لانتفاء الوضع وليس المعنى عليه . وأجيب بأن " لو " هنا لمجرد الشرط كان من غير أن يلاحظ الامتناع أو المراد أن الإنفاذ حاصل على تقدير الوضع ، فعلى تقدير عدم الوضع حصوله أولى فهو مثل قوله عليه السلام : نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه ، ولأبي الوقت هنا زيادة وهي قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليبلغ الشاهد الغائب وتقدم قريبًا . ( وقال ابن عباس ) رضي الله عنهما فيما وصله ابن أبي عاصم والخطيب بإسناد حسن ( كونوا ربانيين ) أي ( حلماء ) جمع حليم باللام ( فقهاء ) جمع فقيه ، وفي رواية حكماء بالكاف جمع حكيم ( علماء ) جمع عالم وهذا تفسير ابن عباس . وقال البيضاوي والرباني المنسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون كاللحياني والرقباني وهو الكامل في العلم والعمل . وقال البخاري حكاية عن قول بعضهم . ( ويقال الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره ) أي بجزئيات العلم قبل كلياته أو بفروعه قبل أصوله أو بوسائله قبل مقاصده ، أو ما وضح من مسائله قبل ما دقّ منها . ولم يذكر المؤلف حديثًا موصولاً ، ولعله اكتفى بما ذكره أو غير ذلك من الاحتمالات والله أعلم . 11 - باب مَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالْعِلْمِ كَىْ لاَ يَنْفِرُوا ( باب ما كان ) أي باب كون ( النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتخوّلهم ) بالخاء المعجمة واللام أي يتعهد أصحابه ( بالموعظة ) بالنصح والتذكير بالعواقب ( والعلم ) من عطف العام على الخاص ، وإنما عطفه لأنها منصوصة في الحديث الآتي وذكر العلم استنباطًا ( كي لا ينفروا ) بفتح المثناة التحتية وكسر الفاء أي يتباعدوا . 68 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا . [ الحديث 68 - طرفاه في : 70 ، 6411 ] . وبالسند السابق إلى المؤلف قال : ( حدّثنا محمد بن يوسف ) بن واقد الفريابي الضبي ، المتوفى في ربيع الأوّل سنة اثنتي عشرة ومائتين وليس هو محمد بن يوسف البيكندي لأنه إذا أطلق في هذا الكتاب محمد بن يوسف تعين الأوّل ( قال : أخبرنا ) وفي رواية ابن عساكر والأصيلي حدّثنا ( سفيان ) الثوري